الآلوسي
201
تفسير الآلوسي
به جعل يقلبه فيقول : ما أرى به أثر ناب ولا ظفر إن هذا السبع رحيم ، وفي رواية أنه أخذ القميص وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص ، وقال : تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمرق عليه قميصه ، وجاء أنه بكى وصاح وخر مغشياً عليه فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك ومادوه فلم يجب ووضع يهوذا يده على مخارج نفسه فلم يحس بنفس ولا تحرك له عرق ، فقال : ويل لنا من ديان يوم الدين ضيعنا أخانا وقتلنا أبانا فلم يفق إلا ببرد السحر * ( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُم أَنْفُسُكُم ) * أي زينت وسهلت * ( أَمْراً ) * من الأمور منكراً لا يوصف ولا يعرف ، وأصل التسويل تقدير شيء في النفس مع الطمع في إتمامه . وقال الراغب : هو تزيين النفس لما تحرص عليه وتصوير القبيح بصورة الحسن . وقال الأزهري : كأن التسويب تفعيل من سوال الإنسان وهو أمنيته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره وأصله مهموز ، وقيل : من البسول بفتحتين وهو استرخاء في العصب ونحوه كأن المسول لمزيد حرصه استرخى عصبه ، وفي الكلام حذف على ما في البحر أي لم يأكله الذئب * ( بل سولت ) * الخ ، وعلمه عليه السلام بكذبهم قيل : حصل من سلامة القميص عن التمزيق وهي إحدى ثلاثة آيات في القميص : ثانيتها عود يعقوب بصيراً بالقائه على وجهه ، وثالثتها قده من دبر فإنه كان دليلاً على براءة يوسف ، وينضم إلى ذلك وقوفه بالرؤيا الدالة على بلوغه مرتبة علياء تنحط عنها الكواكب ، وقيل : من تناقضهم فإنه يروى أنه عليه السلام لما قال : ما تقدم عن قتادة قال بعضهم : بل قتله اللصوص فقال : كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله ؟ ! ولعله مع هذا العلم إنما حزن عليه السلام لما خشي عليه من المكروه والشدائد غير الموت ، وقيل : إنما حزن لفراقه وفراق الأحبة مما لا يطاق ، ولذلك قيل : لولا مفارقة الأحباب ما وجدت * لها المنايا إلى أرواحنا سبلا ولا بأس بأن يبقال : إنه أحزنه فراقه وخوف أن يناله مكروه * ( فَصَبْرٌ جَميلٌ ) * أي فأمرى صبر جميل ، أو فصبري صبر جميل كما قال قطرب ، أو فالذي أفعله ذلك كما قال الخليل . أو فهو صبر الخ كما قال الفراء ، وصبر في كل ذلك خبر مبتدأ محذوف . أو فصبر جميل أمثل وأجمل على أنه مبتدأ خبره محذوف ، وهل الحذف في مثل ذلك واجب . أو جائز ؟ فيه خلاف ، وكذا اختلفوا فيما إذا صح في كلام واحد اعتبار حذف المبتدأ وإبقاء الخبر واعتبار العكس هل الاعتبار الأول أولى أم الثاني ؟ . وقرأ أبي . والأشهب . وعيسى بن عمر - فصبراً جميلاً - بنصبهما وكذا في مصحف أنس بن مالك ، وروي ذلك عن الكسائي ، وخرج على أن التقدير فاصبر صبراً على أن اصبر مضارع مسند لضمير المتكلم ، وتعقب بأنه لا يحسن النصب في مثل ذلك إلا مع الأمر ، والتزم بعضهم تقديره هنا بأن يكون عليه السلام قد رجع إلى مخاطبة نفسه فقال : صبراً جميلاً على معنى فاصبري يا نفس صبراً جميلاً ، والصبر الجميل على ما روي الحسن عنه صلى الله عليه وسلم - ما لا شكوى فيه أي إلى الخلق وإلا فقد قال يعقوب عليه السلام : * ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) * ( يوسف : 86 ) ، وقيل : إنه عليه السلام سقط حاجباه على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فسئل عن سبب ذلك فقال : طول الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله تعالى إليه أتشكو إلى غيري ، فقال يا رب خطيئة فاغفرها . وقيل : المراد من قوله : * ( فصبر جميل ) * أني أتجمل لكم في صبري فلا أعاشركم على كآبة الوجه وعبوس